عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
35
معارج التفكر ودقائق التدبر
بصورة إفراديّة ، مع أنّهم في الواقع كثيرون جدّا ، بل هم النّسبة العظمى من اليهود والنّصارى ، وسائر الّذين كانوا يتّبعون آيات اللّه الّتي أنزلها على رسله من أهل القرون الأولى . بل كلّ الّذين لم يؤمنوا برسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، ولم يؤمنوا بالقرآن الّذي أنزله اللّه عليه ، من أهل الكتاب ، هم منسلخون من آيات اللّه ، فقد سبق أن آتاهم اللّه آياته في التّوراة والزّبور والإنجيل ، فأحاطت بهم بياناتها ، ودلالاتها ، ولبسوها كجلودهم ، وأعطوا عهودهم ومواثيقهم على الالتزام بما جاء فيها ، ومنها أن يؤمنوا بالرّسول النبيّ الأمّيّ محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ، فنقضوا عهودهم ومواثيقهم ، وانسلخوا من آيات اللّه خروجا عن مطلوب اللّه منهم فيها ، بالتّحريف والتبديل والكتمان ، وبمعصية ما جاء فيها من أوامر اللّه ونواهيه ، اتّباعا للهوى ، وإيثارا للحياة الدّنيا ولذّاتها ، وتحقيق شهواتهم منها . ومن هذه الآيات البشائر بالرّسول الخاتم ، والعهود المذكورة عندهم في التّوراة والإنجيل ، الّتي أخذت عليهم أن يتّبعوا الرّسول النبيّ الأمّيّ ، متى بعثه اللّه ، فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فانسلخوا من آيات اللّه بكفرهم ، وبرفضهم دلائل البشائر ، وبنقضهم العهود والمواثيق . هذا ما ظهر لي لدى تدبّر هذا النّصّ مع سوابقه ولواحقه في السورة ، منضمّا إلى دلالات آيات دروس السّورة بوجه عام ، في وحدة موضوعها ، مع النظر إلى ما أنزل من سور قبل نزول سورة ( الأعراف ) في التنزيل المكّي ، وإلى المرحلة الزّمنيّة الّتي أنزل فيها ، على خلاف ما طرحه المفسّرون من احتمالات لم يرد عن المعصوم فيها شيء . إنّ التعبير بالإفراد في قول اللّه تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها هو الّذي جعل أهل التأويل يبحثون عن شخص